عبد الوهاب الشعراني
383
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وروى الترمذي وابن أبي الدنيا مرفوعا : « إذا أصبح ابن آدم فإنّ الأعضاء كلّها تشكو تكفّر اللّسان ، تقول اتّق اللّه فينا فإنّما نحن بك ، فإن استقمت استقمنا ، وإن اعوججت اعوججنا » . وروى الطبراني ورواته رواة الصحيح مرفوعا : « أكثر خطايا ابن ادم في لسانه » . وروى مالك والبيهقي وغيرهما أن أبا بكر رضي اللّه عنه كان يجبذ لسانه ويقول : هذا الذي أوردني الموارد ، والأحاديث في ذلك كثيرة ، واللّه تعالى أعلم . [ السعي في سلامة صدورنا من الغل : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نسعى في تحصيل مقام سلامة صدورنا من الغل والحسد وغير ذلك ، فإن من كان غير سليم الصدر محروم الخيرات كلها . وقد أخبرني سيدي علي النبتيتي البصير وكان كثير الاجتماع بالخضر عليه السلام أن شروط الاجتماع بالخضر ورؤيته ثلاثة : أولها سلامة الصدر من كل سوء لأحد من هذه الأمة . والثاني أن يكون على سنة ليس مرتكبا شيئا من البدع . الثالث أن لا يخبأ دراهم ولا رزقا للغد ، ومن لم تجتمع فيه هذه الثلاثة الشروط لا يجتمع بالخضر ولو كان على عبادة الثقلين ا ه . ولو لم يكن في عدم سلامة الصدر إلا خسف الأرض ووقوع العذاب لكان فيه كفاية ، قال اللّه تعالى : أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ( 45 ) [ النحل : 45 ] الآية . فمن مكر بأحد من المسلمين أو نوى به سوءا في ساعة من ليل أو نهار فقد تعرض لخسف الأرض به . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى السلوك على يد شيخ ناصح يزيل جميع رعوناته حتى تصفى نفسه ويلحق بعالم الخير من الملائكة فلا يصير يرى في أحد عيبا قياسا على نفسه هو ، فهو كالعنين الذي لم يعرف لذة الجماع قط ، فلو قيل له إن فلانا اختلى بفلانة الأجنبية لا يظن فيه أن يفعل بها فاحشة أبدا ، بخلاف الشاب الأعزب ، أو الذي يحب الجماع فإنه يقيسه على نفسه هو ويقول بعيد أنه سلم من الفاحشة قياسا على نفسه هو لو كان اختلى بها . وقد حكى لي الشيخ عبد السلام الرماصي أن شخصا من البرابرة المجاورين في جامع الأزهر سرقت حوائجه في الجامع فصار يتعجب ويقول اليهود والنصارى ما يدخلون الجامع والمسلمون ما يسرقون فمن أخذ حوائجي ؟ فقال له شخص الفار أخذهم فقال نعم هذا صحيح وذلك أن البرابرة عندهم الأمانة فقاسوا جميع المسلمين على أنفسهم ا ه . فعلم أن من لم يسلك على يد شيخ كما ذكرنا فمن لازمه التضمخ بأخلاق الشياطين التي هي كلها فساد . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه تعالى يقول : جميع الصفات البشرية مجموعة في كل ذات ، ففي الأكابر ما في الأصاغر وعكسه ، لكن المحاسن ظهرت في